أبي منصور الماتريدي
27
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أعلم . والثاني : أنه لا يلزم القضاء بعد الإسلام ، ولا يجوز الابتداء في حاله . فكان ذا تكليف لم يجعل الله للمكلف وجه القيام ، وقد تبرأ الله عن هذا الوجه من التكليف بقوله عزّ وجل : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] ، مع ما بين الله تعالى بقوله : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ [ البقرة : 126 ] أن ما للكافر التمتع في الدنيا ، لا العبادات في ذلك . والله الموفق . فثبت بالآية التي ذكرنا جميع المؤمنين في الخطاب ؛ إذ بين الرخصة لذي « 1 » العذر في الإفطار على وجوب القضاء فإذ لم يحتمل خروج من له العذر في الفطر عن أن يتضمنه الخطاب وجه ألزم القضاء ، ثبت أن من لا عذر له داخل فيه ولا يسعه الفطر ، وعلى هذا جاء ممن ابتلى بالجماع نهارا أنه صلى اللّه عليه وسلم أكد عليه الأمر وألزم الكفارة « 2 » على غير سؤال عن أحوال سوى ما علم من حاله أنه ليس بمريض ولا مسافر ، فكان في ذلك دليل تأكيد الفرض ، وفي ذلك إيجاب الكفارة لتعديه على الصيام على حال لا يحتمل الإرخاص ، إذ قد كان تلك البلية في الليالي ، فلم يؤمروا بها من حيث كانوا يملكون إبقاء الرخصة لأنفسهم لولا النوم ، وفي ذلك أن فرض الصيام يعم المؤمنين . ثم قال الله عزّ وجل : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . والشهر اسم للكل ، ولو كان المراد راجعا إليه لكان الصيام في غيره ؛ لأنه عند هجوم غيره يتم شهوده ، ثم يتناقض ؛ لأنه قال : فَلْيَصُمْهُ ، ومحال أن يصوم في غيره ابتداء ؛ فرجع التأويل إلى أن من شهد منكم شيئا من الشهر فَلْيَصُمْهُ . فمن اعترضه الجنون « 3 »
--> ( 1 ) في ط : الذي له . ( 2 ) هذا ثابت من حديث أبي هريرة : أخرجه البخاري ( 4 / 163 ) كتاب : الصوم ، باب : إذا جامع في رمضان ولم يكن له شئ فتصدق عليه فليكفر ، حديث ( 1936 ) ، ومسلم ( 2 / 781 ، 782 ) كتاب : الصيام ، باب : تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها . . . إلخ ، حديث ( 81 / 1111 ) ، ومالك ( 1 / 296 ) كتاب : الصيام ، باب : كفارة من أفطر في رمضان ، حديث ( 28 ) ، وأبو داود ( 1 / 727 ) كتاب : الصيام ، باب : كفارة من أتى أهله في شهر رمضان ، حديث ( 2390 ) ، والترمذي ( 3 / 102 ) كتاب : الصوم ، باب : ما جاء في كفارة الفطر في رمضان ، حديث ( 724 ) ، وابن ماجة ( 1 / 534 ) كتاب : الصيام ، باب : ما جاء في كفارة من أفطر يوما من رمضان ( 1671 ) ، والدارمي ( 1 / 343 - 344 ) ، وأحمد ( 2 / 208 ، 241 ، 281 ) . ( 3 ) اختلف الفقهاء فيما إذا نوى الصيام من الليل ، ثم طرأ عليه إغماء أو جنون أو سكر : فإن لم يفق إلا بعد غروب الشمس ، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم صحة صومه ؛ لأن الصوم هو الإمساك مع النية ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : قال الله : « كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزى -